الاحتجاجات اللبنانية 2019

من Beidipedia
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Beirut protests 2019 - 1.jpg

الاحتجاجات اللبنانية 2019 سلسلة احتجاجات بدأت في لبنان في 17 أكتوبر 2019 ضد سموم لبنان الطائفية , فاللبنانيون ليسوا طائفيين باختياراتهم، من يحكمونهم هم من فعلوا ذلك، وضعوا لهم سمّ الطائفية في عسل الدين، والمذهب، طيّفوهم ليسرقوهم، طيّفوهم ليحكموهم، طيّفوهم ليتحكّموا بهم، طيّفوهم ليضعفوهم، ويجعلوا بأسهم بينهم. 18 طائفة، كل منهم يرى في آخره خصما، ويرى أمانه في طائفته لا في وطنه، مع رئيس طائفته لا مع رئيس دولته. يطالب بحقه في كعكة لبنان من خلال الطائفة، ينتخب رئيس الطائفة، ليحميه من بقية الطوائف.

لا خدمات ولا فرص عمل، والأسعار مرعبة، لا يحصل اللبناني على شيء، رئيس طائفته يحصل، نيابةً عنه، على كل شيء، حتى أعياد اللبنانيين يحتفلون بها من خلال طوائفهم، علم لبنان هو آخر ما يحضر في مناسباتهم القومية، كل طائفة تحتفل بعلمها، وبصور رموزها. لم يحضر لبنان إلا يوم 17 اكتوبر 2019، لم يحضر علم لبنان بألوانه المبهجة إلا يوم ثار اللبنانيون، على طوائفهم، على أنفسهم، على خصمهم الحقيقي، لصالح وطن واحد، وطن حقيقي.

اللبنانيون يهتفون: "كلن يعني كلن"، يريدون رحيل الجميع، لا رأس الدولة وحده، ولا الحكومة وحدها، ولا وجوها يستبدلونها بأخرى، والنظام باقٍ، والنهب باقٍ، والطائفية باقية. اللبنانيون فهموها، من تجربتهم، قبل تجارب الآخرين، في طرابلس هتف المتظاهرون لإخوانهم في صور الذين تعرّضت مظاهراتهم للقمع الأمني، طرابلس سنية.. محافظة، صور شيعية، صور حركة أمل وحزب الله ، السلفيون السنة يهتفون للشيعة، هنا لبنان: "صور صور صور/ كرمالك بدنا نثور"، هل تعرف معنى البكاء فرحًا ؟ الآن يعرفه اللبنانيون ، ويفهمونه ، في ساحة الشهداء في بيروت، مليون لبناني يهتفون: "ما بدنا طائفية.. بدنا دولة مدنية.. بدنا دولة علمانية".

البسطاء يهتفون للعلمانية، يطالبون بها. الحاجة أم الاختراع، والثورة أصدق إنباء من الكتب. دعك من طنطنات المشايخ وخصومهم. هنا يدرك اللبنانيون أن العلمانية بديل الطائفية الدينية، لا بديل الدين، يطالبون بإسقاط حكومةٍ منتخبة، نعم منتخبة، هم من انتخبوهم، وهم من ينتخبونهم طوال سنوات مضت، وهم من يريدون اليوم إسقاطهم، فالديمقراطية ليست صندوقا، لا في لبنان الطوائف، ولا في مصر العسكر والإخوان المسلمين، ولا في أي مكان، ال♧ صندوق أداة، ومصالح الناس مقصد وغاية، فإذا غابت المصالح، فالصناديق ضجيجٌ بغير طحين، عدم، لا يبدّده سوى هتاف: ثورة ثورة.

حضرت مصر، هتف المتظاهرون ضد عبد الفتاح السيسي، وضعوه في سلة واحدة مع حكّامهم، شتموه في أغنيات، هتافات، لافتات. مشاعرهم حقيقية، لم يتأثروا بمزايدات إعلامه على السودانيين والجزائريين والعراقيين والتوانسة، بألا يتدخلوا في شؤون استبداده بمواطنيه. على المنصّات غنّى اللبنانيون لسيد درويش والشيخ إمام، "أهو ده اللي صار" و"شيّد قصورك"، غنى عبدالكريم الشعار لسيد مكاوي، ابتهاجا، وضعوا لبنان مكان مصر في الأغنية. كسروا الوزن، لكنهم لم يكسروا القاعدة. لا أحد هنا ينظر إلى خريطة الوطن العربي بعيون سايكس بيكو، هذه بلادُنا، همومنا واحدة، وأوجاعنا مشتركة، وأفراحنا أيضا.

يحتاج اللبنانيون الآن إلى بديلٍ جاهز، يحتاجون لمن يمثلهم، يتحدّث باسمهم، الثورة فعل جماهيري، لكنه لا يكتمل إلا بتحوله إلى فعل سياسي ناضج. يهتف اللبنانيون ضد الساسة، حقهم، تجربتهم معهم مريرة، إلا أن تجربة، أو أكثر، مع أطباء فاشلين، لا تعني نفي الطب، ومحاربة المرض بالهتاف ضده. يصعب ذلك اليوم، لكنه يحتاج لمن يفكّر فيه من أجل غد قريب، يراه الأصدقاء في لبنان خطرا قد يودي بالحراك. ميراث الطائفية لم يزل حاضرا، قد يلقي بظلاله على شخص من يختارونه. في الأخير، لا أحد يمثل الجميع. مشكلة، ولكن لها ألف حل. لبنان ليس فقيرا، نهبوا أمواله لكنهم لم ينهبوا رجاله ونسائه، والساحات التي أنجبت جماهيرها سوف تنجب نخبها. وحدها إرادة اللبنانيين سوف تتكفل بكل شيء، فافعلوها.

بيان باسم المحتجين[عدل]

==نهاية القائد في لبنان==فكرة

Beirut protests october 2019 3.jpg

انتهى زمن القائد في لبنان، الذي نعرفه بألفاظ متعددة: بيك، رئيس، زعيم، مرشد، مرجع. عليه أن يعرف ويدرك أن ما حصل في لبنان يقول له بوضوح جهز حقيبتك وارحل. انتهى زمن القطيع والحشود والجماهير، التي تحتشد بأفواه فاغرة وعيون شاخصة إلى منقذهم ومدبر أمرهم وملاذهم في الملمات والأزمات. انتهى زمن البيعة الذي يوقع فيه اللبنانيون على بياض للقائد إلى الأبد، انتهى زمن التفويض الذي يملك فيه الزعيم أن يقرر عنا من دون حتى أن يطلعنا على ماذا يفعله ولماذا. انتهى زمن الوحي الذي يدعيه القائد لنفسه ويدير على أساسه البلاد ويتحكم بالعباد، انتهى التميز والتمايز والاصطفاء الذي يجعله فائقاً ويجعلنا نحن اللبنانيين قاصرين ومقصرين. انتهى الزعيم الذي يعتبر المال العام حقاً شخصيا له وينفق علينا من جيوبنا ويمنننا بذلك. انتهى القائد الذي نفديه بأرواحنا ودمائنا، ويرانا أرقاماً لا أفراداً وأشخاصاً، بل أمواجاً تتدافع للقائه وحشوداً تتلقى كلامه باندهاش. انتهى سحر كلام القائد الذي الذي لم يكن أكثر من خدع سمعية وبصرية.

بات القائد عندنا فضيحة: في أخلاقه في نهبه العلني للمال العام، في تهوره وخرقه حين يورط الوطن بمواقف وسياسات كارثية، في حبه للسلطة ولو فوق مكب نفايات، فضيحة في شهواته وترفه، في خطابه حين يتصور المتلقين أطفالا وقصَّر، في قلة ذكائه وسخف وعيه وهشاشة ثقافته حتى بات مادة دسمة للتندر والضحك، في مواطنيته حين يجاهر بعمالته للأجنبي وتبعيته له، في كثرة كذبه وتضليله، في قلة شفقته وقسوته ولامبالاته بوجع الناس وآلامهم، في أنانيته ونرجسيته التي تجعله يظن أنه مركز هذا العالم.

انتهى القائد في لبنان، لأن صميم رسالة اللبنانيين هي أنهم لم يعودوا بحاجة إلى قائد، إلى من يرشدهم إلى ما يريدون، ويعرفهم بمنافعهم، ومن يفكر عنهم ومن يدلهم على خلاصهم , فصبر اللبنانيين قد نفذ، وأنهم بالغوا قليلاً في تسامحهم وحسن ظنهم وإعطائهم المهل. انتهى القائد وانتهى معه حزبه وتنظيمه وأساطيره وسردياته وأيديولوجياته وكل وعود مستقبله. سيرحل القائد وسيأخذ معه عدة اشتغاله وفنون الشعوذة التي كان بارعاً في ممارستها في الميدان العام وأمام الناس. سيرحل القائد وسيرحل معه الخوف والقلق والشعور بالقصور والتقصير والخطأ، الذي برع في استثماره وتضخيمه في نفوس اللبنانيين، و كان مصدر سلطته وشرعيته.

لم يدرك هذا القائد أن احتجاج اللبنانيين لم يعد على أدائه، أو مطالبته بتصويب الأمور، أو بسبب الفقر والحاجة أو حتى كثرة الضرائب وفق ما صورته رموز السلطة الثلاث: جبران باسيل وسعد الحريري وحسن نصرالله. رسالة اللبنانيين هي إرحل بالصوت العالي والمعنى الشامل. المستهدف ليس الأشخاص، بل أصل اللعبة السياسية وقواعد التوزيع التي أنتجتها ورسختها جميع القوى السياسية الحالية منذ اتفاق الطائف، 8 و 14 آذار، موالية ومعارضة معاً. فالرحيل هنا هو رحيل زمن بكل مكوناته وثقافته ولغته وأيديولوجياته وتضامناته ورموزه وقادته، الذي يمكن وصفه بأنه زمن القائد الكاريزمي بامتياز، وبداية زمن جديد لا مكان فيها لقائد أو لرمز، هو زمن المواطن الحر المالك لزمام أمره والصانع لمصيره، زمن الدولة العائدة إلى المجتمع بكل أطيافه بعد فترة اغتراب طويلة عنه وعنها.

شارع مقابل ساحات[عدل]

خرج جموع العونيين الباسيليين في مسيرة دعم العهد، وبدأ يتشكل في لبنان شارع في مقابل ساحات على أنقاض النظام القديم. ساحات منتشرة على الأراضي اللبنانية، تريد تفتيت نظام الزعماء وأجهزته السلطوية، على قاعدة الخلاص من جميع أركان التركيبة التي نهبت البلاد وتسببت بالأزمات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، وبإفقار اللبنانيين على حساب تكدس الثروات في أيدي قلة توزّع غنائم الدولة زبائنياً. وفي المقابل، شارع يعمل جاهداً على إنقاذ النظام القديم بكل مكوناته، حتى لو بدا للوهلة الأولى أنه شارع فئوي حزب اللاهي - باسيلي .

بمعزل عن صراعات أركان النظام القديم على الحكومة والحكم وتقاسم موارد الدولة المنهوبة، ومحاولاتهم اليائسة لحشد الشوارع المتقابلة , في الحالة الباسيلية -الحزب اللاهية , شارع خالص النقاء الطائفي والاصطفاف الزعامي المرصوص. وفي حالة باقي سدنة السلطة الركوب على ثورة اللبنانيين ضد الحراميي، جاء خروج ملايين اللبنانيين إلى الساحات والطرق بعفوية للتبرؤ من لصوص الهيكل. وهذه ليست موجة عابرة، بل مسار قد يطول. فعودة أركان النظام القديم إلى التربع في سدة الحكم قد تخدر الناس ببعض المسكنات. لكنها لا تستطيع حل الأزمات المتتالية التي تسببت بها، وأدت إلى نفاذ صبر اللبنانيين الذين خرجوا صارخين: كلن يعني كلن.

من التمايز بين الشارع العوني الذي خرج إلى بعبدا والساحات اللبنانية المنتفضة، نستطيع بيان الفوارق الصارخة: شارع أهل الوفاء الأهلي والعائلي خرج لدعم الزعيم الذي يردد رعاياه: عنا جبل في بعبدا وما حدن بيهزو، وساحات خرجت للمطالبة بحقوق اقتصادية واجتماعية وعدالة في توزيع الثروة، وضد حكم المصارف الذي سلب اللبنانيين مليارات الدولارات من فوائد خدمة الدين العام. شارع لم يبدر عن جميع المتحدثين فيه على شاشات التلفزة إلا لغة التحدي والفتوة والطاعة والولاء للزعيم، والمشاركون فيه أشبه بمن يذهبون إلى حتفهم مرفوعي الرأس، وساحات لعنت الزعيم والقائد رغم التهديد والإرهاب والاعتداءات المتكررة.

لن ينقسم اللبنانيون إلى شارعين. جل ما في الأمر أن ثمة محاولات يائسة للدفع في هذا الاتجاه. لكن الميزة الواضحة تشير إلى شارع فئوي محافظ صافٍ طائفياً بلغة قديمة شائخة وبائدة، دينها وديدنها حقوق المسيحيين. وساحات لبنانية جامعة وشبابية متقدة زعزعت بالشتائم والفكاهة أركان الدولة. شارع شائخ يجسّد كل التفاهة اللبنانية لما قبل ثورة 17 تشرين، يريد الدفاع عن جزء من النظام القديم وتحصين قلاعه المتهالكة، على قاعدة تنزيه أركانه من أوجاع ومصائب اللبنانيين، جراء الفساد والهدر ونهب موارد الدولة والفشل المتمادي، وساحات تريد الخلاص من الحراميي بقضهم وقضيضهم.

ما يريد تكريسه التيار الحزب اللاهي - الباسيلي لن يذهب إلى أكثر من شارع يتمسك بعود ثقاب مكافحة الفساد على أساس إلقاء المسؤوليات على الآخرين، معرقلي مسيرة الدولة العونية المتخيلة، التي لم نر منها إلا خطب العنصرية والذكورية والمذهبية. وساحات هتف فيها ابن الأشرفية وطرابلس وبيروت لأهالي صور والنبطية، ووضعت جميع أركان الحكم في قفص الاتهام والشبهة. وشارع رفع أعلامه الحزبية إلى جانب أعلام لبنانية فلكلورية وصور قادته المنزهين. وساحات جمعت اللبنانيين بكل أطيافهم تحت العلم اللبناني كتعبير على أنهم موحدين.

حتى ظهيرة الأحد 3 نوفمبر 2019 ما زالت المشهدية اللبنانية قائمة على شارع تصدره سياسيو التيار الوطني الحر المشاركون في الحكم منذ أكثر من سنوات عشر، ورئيسه السابق يتربع على عرش الجمهورية، ولديه ثلاثين نائباً و11 وزيراً في الحكومة التي أسقطتها الساحات. والساحات لم تتصدرها حتى جمعية مدنية، وبلا قيادة أو رأس، صرخت حتى في وجه من حاول استمالتها من أركان النظام القديم: كلكن يعني كلكن. ما هو حاصل حالياً محاولات يائسة لتكريس الزعيم والقائد المخلص، بعد خروج اللبنانيين على الزعامة والقيادة والمخلصين. على أن ميزة الشارع والساحات تبقى في قبول أو رفض رئيس الجمهورية استمرار عهده، بدعم شارع حزبي ضيق، على أنقاض لبنان واللبنانيين

رحلة البحث عن النفس خارج الجماعة الموروثة[عدل]

بفضل ثورة 17 تشرين ، بدأ اللبناني المنتفِض على السلطة رحلة البحث عن نفسه كفرد خارج الجماعة الموروثة والبحث عن فردانيته، فاللبناني يولَد طائفياً ومحازباً للكيان السياسي الذي يتحّكم في أسرته الصغيرة وفي بيئته الأوسع. فيتعوّد منذ الصغر على محاذرة اللبنانيين الآخرين وغير اللبنانيين. وتكون محاولة شروده وإفلاته من بيئته بالولادة مهمة عويصة، لا ينجح في الإقدام عليها سوى الشجعان والأقوياء. فإذا أقام علاقة ما مع لبناني آخر من دون أن يدري أنه مختلف عنه، سرعان ما يصله تحذير من ذلك الاختلاف إما من الأهل وإما من فاعل خير بغية حمايته من ذلك الآخر. وأحياناً، يبلغه التحذير بالحدس لدى سماعه الآخر يتلفّظ بحرف القاف بدل الألف الذي يلفظه هو، أو بالظاء بدل الضاد، أو عندما يراه يصلّب ويدقّ على الخشب بدل أن يسمعه يبسمل ويحمدل كما يفعل هو.

إشارات كثيرة تثير في اللبناني، عند بدء تعرّفه على الآخر، نقزةً تدفعه نحو الاحتراس الذي يصل أحياناً إلى حد الارتياب المَرَضي . وأكثر الإشارات وضوحاً الأسماء العلم ذات الدلالات الدينية. ولكن، من أبشع ما يعبّر عن اختلاف اللبنانيين عبارة بَسْ , وهي للاستدراك بمعنى ولكن: "مُسلِمة بس مهضومة وبتفهم"، "صحيح مسيحيّيِ بس أوادم بلا زغرة"... ولا يقدّر المستدرِكون حجم الإهانة التي يوجّهونها لإخوتهم في الإنسانية عبر تلك الـ "بس".

الحب هو أكثر ما يمعن النظام الطائفي في تقويضه. فأي علاقة حب بين فتاة وشاب من طائفتين مختلفتين حتى لو من ديانة واحدة تصل دائماً إلى مفترق الطرق نفسه: "هل ننفصل أم نمضي في طريق مظلم؟" هذه الظلمة كان خفّف منها قانون الزواج المدني الاختياري مع مفاعيله. وقد رفضت السلطة إقراره لأنه اختياري، أي بملء إرادة الفرد وكامل قوته العقلية. فعبارة اختياري تشكّل منصّة للقفز نحو الفردانية، والشرود عن الطائفة والبيئة الموروثة.

النظام الحالي يُفسد الودّ بكل أشكاله. وتنسحب قدرته على الإفساد على أي نوع من أنواع التقارب، كالشراكة التجارية مثلاً، "لماذا توظّف أشخاصاً من خارج جماعتنا؟" يسمح متعصّب لنفسه طرح هذا السؤال المقيت. في مخ اللبناني ندوب كثيرة مقرّحة، إضافة إلى قاضي صغير عند صدغه الأيمن يطرقه بالمطرقة كلّما حاول تعديل زاوية نظره إلى الدنيا، وجلاّد صغير عند صدغه الأيسر يجلده بالسوط لإعادته إلى زريبته. ورغم ذلك، استطاع أن يكتشف أن مأساته عامّة وأنه، كالمختلِف عنه، ضحيةٌ دَفَعَه زعيمه هو، حزبه هو، تياره هو، جماعته هو وأهله، قبل أسياد الآخرين، إلى مجابهة الآخر من طريق غسل الدماغ والتعتيم والشيطنة والتكفير والتخوين والقمع والإفساد.

وكأن اللبناني كان يقطن هيكلاً مُخلّعاً يظلّ فيه دائخاً بسبب أرضيته المزعزعة، حتى جاءت ثورة 17 تشرين. ففي لحظتها الأولى، وهي الأحلى على الإطلاق، انبلج اللبنانيون كحزمٍ من نور انتشرت على مساحة الوطن كاملةً . أخمدوا الحرائق التي كانت مشتعلة قبل أيام من اشتعال ثورتهم. الكل حطّم نيره وخرجوا جميعاً في شَمَقٍ عظيم. هم أنفسهم، تفاجأوا بوجودهم كلهم في الشوارع والساحات. لم يحصل في السابق أن تلاقى اللبنانيون حول قضاياهم ومآسيهم من دون نفير، محسوب النغمة، يحضّهم على التجمّع. بدوا فجأة أفراداً مواطنين اختاروا الانتفاض على حكّامهم "كلن يعني كلن" المتسببين بقهرهم. إنها ثورة نابعة من روحية جيل طالع وحيويته ونضارة تفكيره. وفي الأثناء، الثورة في خطر وحياتنا في خطر. ولكن الثورة ستعلّمنا كيف نصبح أفراداً أصحاب قرار، نرى بعضنا بمنظار الإنسانية.