القطيف

من Beidipedia
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
DammamFromTheISS.jpg

القطيف مدينة نفطية هادئة ذات أغلبية شيعية في السعودية تُنتج ما يزيد عن 800 ألف برميل من الخام العربي الخفيف يومياً في محافظة يبلغ عدد سكانها 524.182 ألف نسمة وفق الأرقام الرسمية 2010 وهو ما يدفع الكثير للاعتقاد أن المواطن في محافظة القطيف يعيش حياة رفاهية تتوفر فيها جميع الخدمات الأساسية وكل مباهج الحياة ، لكن الواقع اليوم يعكس صورة مختلفة لا تتناسب مع الحقائق التي على الأرض. تبدأ معاناة المواطن في القطيف وهو في بطن أمه ، فإن كان أبوه أحد موظفي القطاع الخاص ممن يمتلكون تأميناً صحياً فإنه لن يكون قلق لأن بإمكانه تحمل تكاليف الولادة في أي مستشفى خاص ، أما إن كان موظفاً حكومياً ممن لا يمتلكون تأميناً صحياً كما هو حال الموظفين الحكوميين في الدولة فإنه سيكون في حالة ترقب لقدرة المستشفى على استقبال زوجته من عدمها حيث لا يوجد في القطيف سوى مستشفى مركزي واحد وهو مستشفى القطيف المركزي الذي يتسع إلى 360 سريراً فقط موزعة على جميع التخصصات كما أنه لا يوجد بالقطيف مستشفى حكومي متخصص بالولادة كما هو الحال في المدن الأخرى بالمملكة ، مما يعني أن الخدمات الصحية التي تُقدم للمواطنين في محافظة القطيف محدودة ولا تتناسب مع عدد السكان فيها .

عند دراسة أبناء المحافظة في مدارس التعليم العام، فإنهم يدرسون مواد التربية الإسلامية وفقاً للمنهج السني الحنبلي وهو الذي تتخذه الدولة مذهباً رسمياً لها رغم أن النظام الأساسي للحكم لا يشير إلى ذلك صراحة، مما يعني أن التعليم النظامي في المملكة يَفرضُ على المواطنين الشيعة دراسة مواد التربية الإسلامية وفقاً لمذهب يختلف عن المذهب الذين يعتنقونه ، بل إن كثير من الأفكار ليست فقط مختلفة مع أفكار الشيعة بل هي أيضاً تقوم بتسفيه تلك الاعتقادات ووصفها بالشرك والابتداع والدعوة لترك تلك الاعتقادات والتوقف عن ممارستها ويتزامن هذا الأمر مع ظهور فتاوي تكفيرية بصورة مستمرة بحق الشيعة ، الأمر الذي عزز شعور العزلة في العقود الماضية وساهم في بناء جدران وهمية أخرت كثيراً من عملية اندماجهم بصورة فاعلة في وطنهم بسبب غياب الأرضية التي تكفل لهم حرية المعتقد والذي كان المواطنون الشيعة يظنونه حقاً مكتسباً بعد دخول المنطقة تحت حكم الدولة السعودية.

حينما يتخرج أبناء المنطقة من المرحلة الثانوية ، فإنهم يشدون رحالهم إلى خارج القطيف لإكمال التعليم الجامعي ، فالقطيف لا يوجد بها جامعة واحدة يستطيع أبناء المنطقة من الجنسين مواصلة تعليمهم فيها ، وعلى الرغم من أنه يوجد جامعات في أماكن قريبة إلا أن هذه الجامعات لا تستطيع تلبية مختلف التخصصات ولا تتسع لجميع خريجي المنطقة الشرقية الأمر الذي يدفع المواطنين إلى الدراسة في مناطق بعيدة عن مسقط رأسهم وتجدر الإشارة إلى أن الموازنة الحكومية اشتملت على تخصيص مبلغ 168.6 مليار ريـال سعودي ضمن بند التعليم العام والعالي وتدريب القوى . يتركز الحديث بعد تخرج المواطنين في القطيف من الجامعات على تهميشهم وحرمانهم من الوظائف ذات الأهمية رغم استحقاق الكثير منهم لها ، والرد دائماً يكون جاهزاً وهو أن هذه المناصب تخضع للكفاءة وليس للمحاصصة ، يبدو هذا الكلام بشكله العام مُقنعاً ، لكن حقيقة الأمر لم تقتصر فقط على الوظائف القيادية في القطاعين الخاص والعام ، إن مناصب مثل البنك الزراعي بالقطيف ، مستشفى القطيف المركزي ، المحكمة الكبرى بالقطيف ، مكتب التربية والتعليم بالقطيف ، مكتب التربية والتعليم بصفوى ، رئيس بلدية القطيف ، رئيس بلدية صفوى ، محافظ القطيف ، مدير سجن القطيف ومديرات مدارس البنات في المنطقة بمراحلها الأربع (رياض أطفال ،الابتدائية ، المتوسطة ، الثانوية ) والعديد من الوظائف الأخرى لا يشغلها مواطنون من أبناء محافظة القطيف ، إن هذه الصورة تُعطي مثالاً حياً لا يمكن إنكاره على مدى التهميش والتمييز الذي يتعرض له المواطن في القطيف ، فهو لا يستطيع شغل مناصب صغيرة تأثير قراراتها لا يتجاوز محيط المحافظة نفسها ، ورغم أن بعض المواطنين في القطيف استطاعوا تحقيق نجاحات بالوصول إلى مراكز مهمة في القطاعين الخاص والعام إلا أن هذه الحالات لا تقارن بالحرمان الذي يعانيه البقية .

يرتبط المواطن في القطيف كغيره من المسلمين بالمسجد ، لكنك ستجد منظراً غير مألوف يختلف عن باقي مناطق المملكة ، حيث تكثر في هذه المساجد حملات التبرع بأساليب متنوعة يطلقها أهالي المنطقة لترميم مساجدهم أو بناء مساجد جديدة تتناسب مع الكثافة السكانية المتنامية في المحافظة، فالدولة ممثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تستثني القطيف من بناء المساجد ، فلا تقوم ببناء المساجد للمواطنين في القطيف أسوة بباقي مناطق المملكة ليس الأمر مقتصراً على المسجد فقط بل يمتد إلى الحسينيات التي يقوم الشيعة بإحياء مناسباتهم الدينية والاجتماعية المتنوعة فيها حيث لا يتمكن المواطنون اليوم من استخراج تصريحات رسمية لبنائها فيضطرون لبنائها بصورة غير نظامية على شكل منازل أو يقومون بترميم القديمة منها والتي يمتد عمر بعضها إلى أكثر من مئة عام .

يمتد الأمر للقضاء فالمحكمة الجعفرية بالقطيف يطلق عليها مسمى دائرة الأوقاف والمواريث وهو إشارة إلى ما بقي لها من اختصاص بالأوقاف والمواريث وشؤون الزواج والطلاق أما القضايا الأخرى فتذهب إلى محكمة القطيف الكبرى والتي تحتوي على قضاة من الطائفة السنية للبت في أمور المواطنين وفقاً لأحكام المذهب السني وبهذا أصبحت المحكمة الجعفرية في القطيف مجرد محكمة صغيرة تقوم بأدوار هامشية بعد أن كانت مسؤولة عن القضاء في المحافظة . كان لدى الشيعة مدارس دينية ( حوزة علمية ) يُدَرس فيها الطالب الدين والعقيدة واللغة العربية والقرآن والمنطق والفلسفة ، لكن هذه المدارس تم اغلاقها وتم منع تدريس المذهب الجعفري فلا يوجد حتى الآن حوزة دينية مرخصة في المحافظة ، الأمر الذي جعل العديد من طلاب العلم يقصدون الحوزتين العلميتين في النجف وقم .

كانت محافظة القطيف هي العاصمة الإدارية للمنطقة الشرقية بحدودها الإدارية المعروفة والتي يترتب عليها وضع الخطط التنموية والخدمية للمحافظة ، وظل هذا التقسيم زمناً طويلاً حتى تفاجأ الأهالي بقرار يتمثل في تغيير الحدود الإدارية لمحافظة القطيف لصالح محافظات مجاورة . إن مثل هذا التغيير في الحدود الإدارية ، جاء امتداداً لسلسلة من المشاكل السكانية التي يعاني منها المواطنون في القطيف ، فمُنح الأراضي على ندرتها تقع تحت طائلة التشكيك في ذهابها لمستحقيها من قبل المواطنين من عدمه كما فعلت ذلك جماعة صمود من أجل الحدود وهي مجموعة أسسها مواطنون من القطيف للمطالبة باستعادة الحدود الإدارية للمحافظة والتحقيق في آليات منح الأراضي السكنية للمواطنين فيها ، ليس الأمر متوقفاً على مُنح الأراضي بل إن الأمر تعدى ذلك إلى ردم مساحة واسعة من السواحل البحرية لجزيرة تاروت وما يقابله من كورنيش القطيف وكورنيش دارين أيضاً ليتحول بعضها إلى مخططات سكنية الأمر الذي أدى إلى تخريب البيئة الطبيعية و تناقص الثروة السمكية والنباتية .

يخشى المواطن في القطيف أن ينتقل من منطقته في العقود المتأخرة من حياته ، فأرض القطيف تأبى إلا أن تكون هي الشاهد الأخير على حالة التمييز التي يتعرض لها ، فحتى الموت يوجد فيه تمييز بالنسبة للمواطنين الشيعة ، فخروجه إلى أي منطقة أخرى مثل الدمام التي اتصلت حدودها الجغرافية مع القطيف نتيجة التوسع العمراني يعني أنه لن يجد مكاناً يُدفن فيه حال موته، فحتى دفن المواطنين الشيعة في مقبرة للموتى بالدمام ليس أمراً مسموحاً به ويتم نقل المواطنين الشيعة من هناك إلى مقابر قرى وبلدات القطيف لدفنهم ، بينما في المقابل يوجد مقبرة للمسيحيين في مدينة جدة تحتوي على قرابة 300 قبر من مختلف الجنسيات في مظهر يبدو أنه متسامح مع الأجنبي لكنه ليس كذلك مع المواطنين الشيعة لهذا باءت كل محاولات الحصول على ترخيص لبناء مقبرة في الدمام بالفشل وأثار هذا الموضوع ردود أفعال متعاطفة من جهات مختلفة لكنها لم تُغير من واقع الحال .