حرية

من Beidipedia
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Breads of Tunisia.jpg

الحرية هو الإسم الذي إختاره المواطن العربي ( ....... ) لمخبزه , نتفهم ذلك الدافع الغامض الذي ورّط صديقنا بإطلاق هذا المسمى على مخبزه ، بعد أن خبزت السجون ثلاثة أرباع عمره ، فأورثته إحساسًا عميقًا بفقد الحرية ، ولربما رأى في هذا الاسم عزاء ذاتيًا عن حريةٍ أخفق في تحقيقها طوال سنوات مكابداته في طلبها ، لكن جزاءه كان من جنس عمله ؛ لأنه اختار الشغب على السلطة دربًا وحيدًا يفضي إليها. لم نحاول أن نقنعه بعقم اختياره ؛ لأننا خشينا أن نهشم آخر أحلامه بالحرية ، على الرغم من أنه كان يمضي إلى تلك الخاتمة الدرامية بعجينه الذي يرققه صباحًا بيديه ، من دون أن يشعر. كنا نود أن نقول له: كيف لمناضلٍ عنيد مثلك ، أن يتغافل عن هذا التناقض العجيب بين الخبز والحرية في أوطاننا العربية , ألم تدرك استحالة اجتماعهما معًا؟ .

لكن الأوان فات ، لأن صديقنا شرع بالعمل محمومًا ، وكأنه يسعى إلى استدراك ومضة حياة أخيرة في عروقه. قال ، في مطلع عمله الجديد: أشعر، من خلال هذا الاسم الذي اخترته، أنني سأبيع الناس الحرية لا الخبز ، سيأتون إلي طوابير، أشبه بالمظاهرات التي كنا ننخرط فيها زمان ، فأستعرض جحافلهم بنشوة ، وأبيع كل واحد منهم كيلوغرامًا من الحرية، زادهم اليومي، بانتظار يوم جديد ومؤونة أخرى . وعلى من يطلب زاد يومين أو ثلاثة أن يدفع ضعفين ، هكذا هي الحرية، كلما عظم حجمها زاد ثمنها , أليس كذلك ؟ , ثم إنهم سيختارون مخبز الحرية ، طوعًا ، ولن يلجأوا إلى أي مخبز آخر ، لأن في أعماقهم توقًا إلى ما يفتقدون.

كان يتحدث باندفاع طفلٍ مقبلٍ على اكتشاف جديد ، ولم نشأ أن نصدمه بحقيقة أن خبز الحرية الذي يعتزم حقنه في جسد الشعب هو خبز العبودية ذاته الذي تحقنه السلطة في جسد الشعب ، للإبقاء عليه في قفص الخضوع . كنا نريد أن نقول له إن كل كيلوغرام من الخبز يبتاعه المواطن يخطف من فضائه كيلوغرامًا مقابلًا من الحرية ، وليس كما تخيل هو.

لم نشأ أن نقول له، أيضًا، إن المعضلة لا تتصل برغيف الخبز الصغير نفسه ، بل بحيز القهر والكبت والقمع المحيط بهذا الرغيف ؛ إذ يدخل المواطن إلى المخبز محنيّ القامة ، يجر خلفه إرثًا من التنازلات التي بدأت منذ أذعن للشروط التي فرضها عليه حكامه، كي يُسمح له بالحصول على هذا الرغيف، ورضي بفتات المقسوم الرسمي، لا ليكون حرًا، بل للنجاة من السجن فقط ، وهو لا يدري أن الفضاء الذي يفتقد الحرية سيكون سجنًا هو الآخر، حتى لو كان بحجم الكون كله .

ومع كل رغيف يحرزه ، يموت فيه حلم ما ، والسلطة ماكرةٌ في ابتداع أدوات تعليق حياة المواطن بها، لتصبح في نهاية المطاف في نظر هذا المواطن نفسه مثل أسطوانة الأوكسجين في غرف الإنعاش ، فيتعلم النفاق لها والتمسح بها ليتّقي شرّها، أو يلجأ أصحاب الكبرياء منهم إلى التزام جانب الصمت ، وغض البصر عنها، وعن كل ما يحيط بهم حتى، كي يظلّوا قادرين على الحصول على رغيف الخبز . وكلما دخلوا المخبز، شعروا كأنهم يحظون بفرصة جديدة للنجاة ، وهكذا تتكرّر الدوامة التي تشبه استدارة الرغيف العربي ذاته، وأحسب أن هذه الاستدارة متعمدة في رمزيتها، كي يظل المواطن دائرًا حول نفسه، لا يحرز أي خطوة تقدّم إلى الأمام، على عكس الرغيف الإفرنجي المستقيم.

لم نقل هذا لصديقي، بل تركناه يعيش تجربته وحده ، إلى أن علمنا أخيرا أنه أغلق المخبز ، وعاود الشغب والتمرد ، فسجن مرة أخرى ، لكنه ترك لنا رسالة صغيرة مدونًا فيها: خبز الحرية الوحيد الذي شعرت بلذته هو خبز السجن فقط .