ضريح

من Beidipedia
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
Sidi Badr Maqam.jpg

الضريح أو المزار أو المقام هو بناء يُبنى فوق مكان دفن أحد الأنبياء أو أحد الأولياء الصالحين أو مكان صلاتهم وإقامتهم. يزوره الناس لطلب البركة والشفاعة. في قريتنا كان هناك ضريح مزعوم لـ الخضر وكان هناك خادم لذلك الضريح كانت رائحتة مزيجاً من رائحة روث بقر ، طين قديم رطب ، مع عطنة جسد مضت شهور على اغتساله آخر مرة. رائحة حاضرة ككثير من الروائح الأخرى التي تلتصق بالذاكرة كما تلتصق علقة نهمة بجلد طري: رائحة الأرض بعد أول مطرة خريف تلا صيفاً طويلاً. رائحة الخبز الذي خرج لتوّه من الفرن. المقام كان غرفة وحيدة عارية في وسط الغابة العملاقة التي تمتدّ بجانب النهر الكبير.

كانت جدتي تنزع شريطة صغيرة من الثياب الخضراء المباركة التي تزنّر قبر الخضر، وتربطها حول معصم يدي وهي تتمتم. زيارة مقام الخضر مع الجدّة شيء يشبه طقوساً وثنية: نخلع أحذيتنا خارجاً ونلج المقام، تخبط الجدّة بقدميها على الأرض بقوة كي تسمعنا الأفعى التي تسكن المقام وتتركنا لحالنا. تخبط عدة خبطات ثم تقف بهدوء للحظات قبل أن تطمئنني بأن دخولنا آمن. بعد لحظات أخرى تبدأ بحرق حبّات البخور وهي تلهج بالأدعية. عطنة الغرفة القديمة مع دخان البخور المحترق تملأ خياشيمي، أشعر بدوار خفيف.

كانت الجدّة تأخذ شيئاً من الزيت المبارك وتمسح به جبيني، وتجلس بجانب الزاوية لتغرق في صلواتها الخاصة. القبر مليء بالصور الملقاة على سطحه، ونسخ مختلفة من كتاب القرآن، كُتب على هوامشها أدعية وطلبات للنبي الخضر علّه يستجيب ويحققها. لطالما حاولت قراءة ما هو مكتوب على الهوامش، كان الأمر صعباً عليّ وأنا في سنتي الثامنة، لكني كنت ألتقط قليلاً من المعنى: أم تطلب من النبي الخضر حماية ابنها، فتاة تطلب منه عريساً، وأب يترجّى عودة ابنه الغائب. تنهرني جدتي وتقول بأن عليّ ألّا أقرأ ما هو مكتوب خلف الصور، هذا قد يؤخّر تحقيق الله لأمنيات أصحابها، فهذه أسرار بين البشر وربهم، وما النبي الخضر إلا وسيط بينهم، ومن يسرق كلمات الناس كمن يسرق مالهم! .

تترك جدتي نهاية كل زيارة بضع قطع نقدية في صندوق معدني صغير خلف الباب . تهمس وهي تربّت على الصندوق: "اللقم تمنع النقم، يا رب بارك بهذا المال". أقول لها: سيأخذها خادم المزار وأكشّر بقرف . تمسكني من أذني وتضغط بقوة تجعل الدماء كلها تتركّز في شحمة أذني: هذا رجل مبروك، لا يجب أن تتحدّثي عنه هكذا!! ثم إن "الكريم حبيب الرحمن، والبخيل حبيب الشيطان". حين كنت أخرج من غرفة المقام المعتمة في ضيعتنا أبقى مغمضة العينين قليلاً حتى أعتاد الضوء الساطع. تبدو الغابة حولنا أشد إشراقاً. أشجار السنديان والبلوط العملاقة، التي يصل عمرها إلى آلاف السنين، تتمدّد بكامل بهائها، واثقة ثقة من على أرضه. رائحة الخشب العتيق والطحالب التي تعشّش بين شقوقه هي كذلك من ضمن الروائح التي لا يمكن أن تغادر الذاكرة.

ثمة صيف راحت الآلات تقطع أشجار الغابة المعمّرة واحدة تلو الأخرى، أسمع صوت صرخاتها المتألمة وهي تهوي على الأرض بعد قصّ جذوعها العملاقة. حينها قال لي جار بيت الجدّ إن الدولة قررت بناء سدّ كبير مكان الغابة، ستُطمر الغابة وتتمدّد بحيرة النهر الصغيرة لتصبح بحيرة سدّ كبيرة كبيرة، وقد تنطمر بيوت القرية كلها أيضاً تحت الماء! , قطّعت الآلات العملاقة معظم أشجار الغابة، وذات صباح اتجهت إلى مقام الخضر في وسطها وهمّت بهدمه. الجدّة كانت تصرخ من البعيد وهي تراقبهم بأن آلاتهم ستتوقف عن العمل الآن، أو سيتوقف قلب سائق الآلة ويموت من فوره.. الله لن يتركهم يدمّرون مقام حبيبه.

لكن الآلات دمّرت المقام كلّه في ذلك الصباح، ومعه كل المعالم المحيطة، دون أن تخرب ، ودون أن يتوقف قلب صاحبها !! الجدّة وصل عويلها المرّ إلى السماء: يا وحوش . حين عدنا لزيارة القرية بعد شهور طويلة كانت الغابة قد اختفت . وحلّت مكان بحيرتنا الصغيرة بحيرة كبيرة متوحّشة غمرت المنطقة بأسرها، ووصلت حتى منتصف الهضاب المحيطة! وحدها بيوت القرية العالية نجت من الطوفان. رؤوس بعض الأشجار العملاقة، التي تُركت في مكانها، تبدو من تحت صفحة الماء الساكنة كأنها أيد مرتفعة الناس مستغيثة تنازع الغرق.

في حياة النزوح لا يمكنك أن تعود إلى جدار كتبت عليه يوماً جملة وأنت صغير إلا بذاكرتك. ليس هناك أزقة للطفولة، ولا أصدقاء تكبر معهم، وترى عمرك الذي يمرّ على أجسادهم إلا في الذاكرة. حياة النازحين حياة بلا أمان، بلا موطئ قدم، بلا روائح للأمكنة، وحدها الذاكرة تكبر مع أجسادنا التي تكبر. ذاكرة المرتحلين، أياً كان أولئك المرتحلون وأياً كانت البلاد التي يرتحلون إليها، هي نتف من هناك! ربما لهذا السبب تلتصق ذاكرتهم بأرضهم الأولى، تلتصق كشجرة زيتون بالتراب، وتمتدّ بجذورها عميقاً لنسيان ذاكرة الترحال. لن يفهم أحد لم يجرّب الترحال يوماً ماذا تعني حقيقة الترحال! حين تضطر إلى خلع جذورك من مكانها، والمضيّ بها معرّضاً إياها للبرد، للغربة، للأغراب، للمحيط الجديد، وربما للغة جديدة! وتراقب تلك الجذور وهي تيبس ابتداء من نهاياتها، لتذوي شيئاً فشيئاً.

مصدر[عدل]

  • مقاطع من رواية عن إرث قاتل سموه ذاكرة , روزا ياسين حسن