مناذرة

من Beidipedia
Epitaph Imru-l-Qays Louvre AO4083.jpg

المناذرة أو اللخميون ، سلالة عربية من قبيلة لخم حكموا العراق قبل الإسلام. اللخمة ، مصطلح يتداوله أهل الشام للدلالة على الشخص الأبله الذي لا يُحسن التصرف في كل شؤون حياته ، فيُنادى عند كل خطأ يقترفه: يا لخمة، في حين طرأت تحويرات لاحقةٌ على ذلك المصطلح ، بحكم التطوّر والتحديث، ليصبح المسمى ملخوم، ولعلّ أبسط توصيف لـ الملخوم هو الشخص الذي يمكن أن يتلقى مئة صفعة، وهو غافل تماماً.

أغلب الظن، حسب تقديراتي الشخصية، أن المصطلح مشتق من مسمى أجدادنا العرب اللخميين الذين يقال إنهم أسسوا دولة لهم في الحيرة، عقب هجرتهم من الجزيرة العربية إلى العراق، في القرن الثالث الميلادي. ولأنهم كانوا لخميين فعلاً، فقد تورط كبيرهم، الشيخ ملخوم، في نزاعات جانبية مع ملاخيم آخرين من الغساسنة، ودخل الطرفان في صراعات دموية على مناطق النفوذ القبلي والنسائي، أو حتى على مجرد واحة في الصحراء البلقع، أحياناً، بدعم ومؤازرة من قطبين عظميين في ذلك الوقت، تمثّلا في إمبراطوريتي الفرس والبيزنطيين، حيث ساند الفرس الشيخ ملخوم، ودعم البيزنطيون أطرافاً أخرى، ولم يستفق الطرفان العربيان المتذابحان على واقعهما الدموي، على الرغم من أن عدد الصفعات التي تلقياها، طوال فترة تلك الحروب العبثية، تجاوز الألف هذه المرة، على غفلةٍ طبعاً.

في المحصّلة، أصبحت الصحراء العربية، منذ ذلك التاريخ، مسرحاً لتصفية حسابات عالمية وإقليمية، بفضل بلاهة الشيخ ملخوم وأقرانه من الملاخيم الآخرين، الذين سمحوا لأنفسهم أن يكونوا وقوداً رخيصاً لصراعات الآخرين وأطماعهم. المهم في هذا التاريخ الأرعن، أن الفرس والبيزنطيين كانوا يستغلّون اللخميين والغساسنة في حروبهم المدمرة، باللعب على أوتار العنجهية والمنفخة العربية الجوفاء، فيضربون هذا بذاك، ويحوزون هم مناطق النفوذ في الأرض العربية، فيضعفون الطرفين، ولا يأخذونهما على محمل الجد، وفي آخر المطاف، كانوا ينادون المخطئ منهما، لدى أدنى خطأ يقترفه في الامتثال لأوامرهم: يا لخمة.

على الرغم من فترة الربيع الإسلامي التي وحّدت اللخميين بعض الوقت، وأنستهم لخمتهم عقوداً، إلا أنهم سرعان ما عادوا إلى طبعهم الأول، وحدث ذلك أيضاً، بفضل الشيخ ملخوم، الذي سمح ثانيةً بتحويل الأرض العربية كلها، وليس الصحراء فقط، إلى مسرحٍ لتصفية الحسابات القطبية والإقليمية، بل والمحلية، بعدما أصبح بعض الملاخيم يرون أنفسهم جزءاً من القوى العالمية العظمى، بسبب حقل نفط يرقدون عليه أحياناً، أو بسبب امتلاكهم جيشاً جراراً، لا يقوى على حماية عاصمة عربية من السقوط خلال أربع وعشرين ساعة.

لأن العرب يتقنون اللخمنة جيداً، نشأت سلالات جديدة منهم عبر عصور من التناسل العقيم، مع التذكير، أيضاً، أن الربيع الإسلامي، بكل بهائه وعظمته، لم يستطع أن يحل معضلة اللخمنة العربية، بدليل نمو فروع جديدة من اللخميين، حاولت أن تكيّف الدين مع بلاهتها، فجاء المولود طائفياً ومذهبياً، في المراحل الأولى التي تلت العصر الذهبي للإسلام، ثم جرت تحويراتٌ أخرى، ليصبح آخر المواليد داعشياً أو قاعدياً، مع ما يرافق ذلك من السماح للقوى الأجنبية بالتحشيد على أرض اللخميين، والعبث بكل اللحى والشنبات العربية، وجعلها مرهونة، دوماً، للإملاءات الخارجية.

على هذه القاعدة، في وسعنا أن نفسّر، اليوم، أحدث فصول التدخل الأجنبي على الأرض العربية، بفضل رعونة ملاخيم كثيرين في الأمة، لا يتذاكون إلا عندما تقترب النار من عروشهم وتيجانهم، ولا يظهر هذا التذاكي إلا في نزاعاتهم الداخلية، أما عندما يطلب منهم أن يوظفوا هذا الذكاء لصالح التطوير والتحديث والتوحيد والتحرير والدمقرطة، فسرعان ما تظهر لخمتهم مجدداً. لا نزال نجد الشيخ ملخوم حاضراً بكل بلاهته، وإنْ صار يرتدي البذلة السوداء وربطة العنق الأنيقة، ويأكل الكافيار ويشرب النبيذ الفرنسي حديثاً. لم يتغيّر أي شيء، باستثناء أن الشيخ ملخوم أصبح، اليوم، يتلقى مليون صفعة , على غفلة طبعاً .